((( الف فرسخ حول ضفاف البحر ))) الشاعر عواد المخرازي

الف فرسخ حول ضفاف البحر الأسود
.....
عملي كتاجر متجول جعلني اعيش مرافقا للحافلات التي تقل الركاب وتمر بجانب ضفاف البحر الأسود، لتمر بكل الدول التي تجاور ذلك البحر الرائع .انقل بضائعي البسيطة .متجولا بين الدول اتنقل بين الحدود . لكل دولة عاداتها وتقاليدها. عطرها، لبسها، ثقافتها، وجمال تضاريسها. لكل منها ميزة مختلفة عن الأخرى ولكل منها حياة. هي تسليتي الوحيدة أن أعيش كل يوم في مكان مختلف وثقافة مختلفة علي أنسى حياتي الشقية.
أمضي معظم حياتي متنقلا بالسفر . إن المسافات هائلة جدا. لذا أصبحت الحافلة موطني وبيتي . إني أنام على أرائكها أكثر من نومي على فراشي الوثير.
تمر الصور من نوافذ الحافلات فتوقظ ذلك الشريط في داخلي.. الذي يحاكي قصة حياتي.. هذا جبل وذاك سهل وهذه قرية وتلك مدينة. هنا بحر وهناك جبال.. إنها حياتي البائسة بكل ما تحويها من جمال وألم وفرح وترح..لقد هجرت الوطن مرغما بعد فشل زواجي الأول وخسارتي لتجارتي الصغيرة. إن ذلك سبب لي أزمة نفسية كبيرة .
تمر الصور عبر النوافذ مسرعة، كأيام عمري المفقودة الحزينة.
يتواجد في الحافلة سائقان ومضيف ومضيفة مهمتهما تقديم المساعدة والمشروبات الساخنة للركاب. لقد تعود الجميع علي وتعودت عليهم. هذا المرة تبدل الطاقم بطاقم جديد لم أعرفهم من قبل.
كلما سارت الحافلة بضعة مئات من الكيلومترات توقفت للإستراحة. تقدمت إلي المضيفة الشقراء برفق وايقظتني من أجل اخذ الاستراحة الخاصة بالركاب. حيث يتناولون الأطعمة والمشروبات .
لم يكن الأمر عاديا هذه المرة. لقد شممت عطرا جميلا يفوح من تلك الجميلة قبل أن تقترب مني ، لقد أيقظني عطرها قبل صوتها نظرت إليها مطولا ونظرت لي .لا أعرف كيف توقف كل شيء فجأة حولي . لم تكن تلك المرأة عادية . إنها لطيفة جدا وجميلة جدا. وعطرها جميل جدا مع أنها لا تضع عطرا.
لم تغب عن نظري مرة واحدة طوال الرحلة،حتى أنا زميلها
المضيف انتبه لذلك الاهتمام هو و سائقي الحافلة.
كلما توقفت الحافلة في محطة. اقتربت منها لأحادثها فيأتي ذلك المضيف الاحمق ليأخذها عني بعيدا. لقد تعود الجميع معاكسات الركاب لتلك المضيفات الجميلات وعليهم حمايتهن . لقد حاولت الاقتراب منها كثيرا وفي كل مرة يقف أمامي طاقم الحافلة مانعا.
انتظرت ذلك اللقاء بيننا حتى الحدود القادمة حيث سيتبدل الطاقم . وتنتهي مهمتهم وننتقل في حافلات أخرى عندها يمكنني محادثتها ودعوتها على فنجان قهوة مثلا بعيدا عن ذلك الطاقم اللئيم .هذه خطتي التي رسمتها وانتظرتها بفارغ الصبر.
نغادر تركيا و تصل الحافلة إلى باطومي في جورجيا حيث جنة القوقاز و نهاية رحلة الطاقم معنا. سننتقل في حافلة أخرى إلى سوتشي بروسيا لكن علينا الاستراحة ليوم وهو كاف لبيع بضاعتي هناك وشراء بعض المنتجات الجورجية لنقلها لروسيا.
اللحظة التي انتظرتها تحين . يغادر الجميع وتبقى مضيفتي. اقترب منها بخطوات خجلة لا تشابه إيقاع قلبي المضطرب.
قبل أن أصل إليها يأتي رجل لونت الشمس بشرته بحرقة وغضب، لتقفز تلك الجميلة تعانقه ويدور بها في الفضاء. لم أصدق ما أشاهده . أقف. أراقب مصدوما. من هول ما أرى. ينظر إلي الرجل بغرابة .
_ هل أنت عربي .. ؟ ملامحك تدل عليك ؟!
_ أشرت برأسي أي نعم.
_ إنها خطيبيتي وسنتزوج .. ما بك تنظر إليها هكذا..؟
أنا من العراق من سامراء .. وأنت ؟ ..
لم أجبه. غادرت ممتلئا حسرة وألما. .وهو ينظر إلي بغرابة.
اتجهت حيث نزل صغير أقيم فيه يعرفني جميع أفراده وقد استبد بي الألم والتعب والإرهاب..
أدخل الفندق الصغير ، يستقبلني عربي .. يرحب بي.
قائلا : أنا من العراق .. ساحمل حقائبك لقد حدثني الجميع عنك هنا..
_ العراق ؟! .. صحت تبا لك وللعراق وأخذت أصيح بأعلى صوتي ..انتبه النزلاء وموظفوا النزل إلى صراخي..
أما هو فأخذ يرجوني إلا أفعل هذا ولا أصيح فهو موظف جديد .. _ قل إنك تكره العراق هيا قل اقول بأعلى صوتي . _حسنا أنا أكره العراق . هل ستهدأ الآن ؟ ثم تحدث الي بهمس.. ما بك يا صديقي سيفهمني مدير النزل أني اسيء معاملة الزبائن ارجوك سأطرد من هنا .. سأحمل حقائبك إلى الأعلى.. وانا اطلب منه الابتعاد ..حدثني بهمس .. حتى وصلنا غرفتي التي تعودت الأقامة فيها..
ما بك يا صديقي إننا عرب وعلينا مساعدة بعضنا لم تفعل هذا بي..
أخبرته بقصة تلك الفتاة وذلك العراقي. ... ضحك مطولا.. انك متعب يا صديقي أرى ذلك في وجهك .. هنا الكثير من الفتيات. اختر ما تشاء ..لا لا أريد اريد نساء .. تلك المرأة مختلفة . إنها تشبه أمي .. نعم إنها تشبهها .. عطرها جميل. لكنها لا تضع عطرا أبدأ ...
' حسنا حسنا فهمتك الآن .. أنك مرهق وتشتاق أمك وتهذي من شدة التعب.. إنك تهذي . ما رأيك أن تستلقي؟ ستهدأ غدا وسنتحدث مطولا..
_ هل ابدو هكذا .. _ نعم يا صديقي.. فقط استرخ وخذ قسطا من الراحة .. سألته اتحب العراق .. قال نعم .. وأنا أيضا أحبه ..تركني ..
وألقيت بنفسي على السرير . حين غفوة: شعرت بعطر جميل يقترب مني .. إني أعرف هذا الرائحة .. إنها رائحتها اعرفها منذ صغري .. إنها رائحة أمي...اخذت تهمس لي ..
_ ما بك يا صغيري .. هل أنت متعب . هل أنت قلق من أجل العمل .. الله سيتكفل بك .. لا تخف . هل أنت جائع ._ لا يا أمي . هل أصنع لك القهوة _ لا يا أمي .. ما بك يا صغيري ..هاه ... تمسح على شعري ... حين استبد بي النعاس ورحت في سبات عميق ....
رأيت صورة أمي وهي تبحث عني بين الشجيرات وأنا مختبئ خلفها. لقد تعودت أن أفعل هذا بها . تبكي. تصيح بلهفة .أين أنت يا ولد؟ تسأل الجيران هل رأى منكم أحد ولدي الصغير .. ولدي ..ولدي .. وفجأة أظهر لها ..أقفز إلى صدرها. تبللني دموعها ويدفئ قلبي حضنها وهي تطوقني بقوة ذراعيها. وأنا ...أتمتع بشم تلك الرائحة العبقة واستنشاق ذلك الرحيق.
 ____________________ عواد المخرازي ٢٠/٣/٢٠١٩

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

((((( غدر الاقارب. ))))

(((( أبت الحقارةُ أن تفارِقَ أهلها. ))))

يا من تراقبني بصمت