((( تصاريف الزمان )))
تصاريف الزمان
*****
*********
سردية واقعية
في حي الظاهر بيبرس والحسينية العتيد تدور أحداث تلك المروية
حيث يقبع دكان شيخ الحلاقين الشيخ محمد نصر الذي يحمل الترخيص النحاسي بممارسة أعمال الحلاقة وإمتهان العمل كحكيم للصحة ويجري الإسعافات الأولية والتغيير على الجروح والقيام بعمليات جراحة الطهارة وإعداد الشربة الزيتية لطرد الديدان
وفوق كل هذا وذاك كان عواداً ماهرا يجيد العزف الإرتجالي على آلة العود وصديقه الأوحد الشيخ حسني الذي يشاركه غرامه الموسيقي كان الحاج محمد رجل رومانسي حالم وديع مع الجميع إلا أهل بيته زوجته وأبناءه وبناته كان حلالا لمشاكل الجيران وما أكثرها بل وكان حنونا ودودا ومثيراً للمشاكل ببيته وقاسي القلب
على الجانب الآخر كانت معاملته لزوجتة الريفية التي تضغره بثلاثين عاما معاملة السيد للعبيد لها ولأبنائها منه
لقد كانا على طرفي نقيض هو وصديق عمره الشيخ حسني والد الطفلتين سعاد ونجاة لقد كان في رقة النسيم معهما حتى لدرجة لو تأخر عليهما بالسهر عند الشيخ محمد شيخ الحلاقين كان يرسل الصبي محمد الإبن الأصغر للشيخ محمد ليطمئن عليهما وعلى أحوالهما حتى وقع الصبي محمد بغرام الطفلة نجاة رغم أنها بمقاييس الجمال أقل بدرجات من أختها سعاد فيكفيها بروز أسنانها وبروز عظامها عكس سعاد الغضة المكتنزة ولكن القلب وما يريد
كانت أم مصطفي زوجة شيخ الحلاقين كثيرة الشكوى ملولة لجذب إنتباه زوجها لها حتى أصابه منها كل الملل والضجر وفكر جدياً في الزواج عليها إنه يتطلع لإمرأة متطورة متحضرة تجيد فنون التجميل والمساحيق فكان له ما أراد حين أرسل القديمة لزيارة أهلها بريف مصر وأحضر غريمتها لتحل محلها في إحتلال أُسري بغيض فإذا ما عادت لم تتفاجأ كثيرا فكل المقدمات كانت تشير للنهايات فطلبت الطلاق ولكنه رفض فعادت أدراجها للبلد الذي أخرجت منه وهي طفلة لتتزوج وتتحمل زوجاً يكاد يقترب من سن أبيها وقد سمح لها الآن بالعودة مع الثلاث بنات وإحتفظ بالولدين مصطفى الأكبر ومحمد الصغير
عاش محمد الصغير مع أحلامه وحبه لنجاة الصغيرة برغم ما يلاقيه من زوجة ابيه من ضرب ومعاناة وكراهية ولما طفح الكيل قرر الرحيل وهو الذي لم يتعدى العاشرة من عمره ببضع شهور ولكن لأين فهو لا يعلم من علم الأماكن شيئا إلا بمقدار ما بين ميداني الحسينية والظاهر بيبرس ومحيط سينما مصر والمشاوير الليلية بين محل والده حيث تطيب السهرة مع الشيخ حسني وشقته للإطمئنان على البنات وأخذ جرعة حنان من نظرات الحبيبة نجاة وبرغم كل هذا الحب والتعلق به قرر الرحيل إلى أين .... لا يدري عن المجهول شيئا
قرر الرحيل ولم يحمل بين يديه الصغيرتين شيئاً من متاع الحياة بل حملته قدماه إلى باب الحديد حيث محطة مصر للسكك الحديدية فصعد أول عربة قطار صادفته جالساً على مساحة صغيرة بمقعد خشبي عريض يشبه دكة البوابين بشارع الخليج المصري والملك فاروق – جلس متعباً منهكا فقد سار طريقا طويلا من الحسينية فشارع النزهة وصولا لقصر السكاكيني باشا ثم عرج يسارا إلى أن وصل للباب الحديد إنكفأ بجانبه الأيمن على فخذ أحد المعلمين الذين يكتظ بهم القطار وكان الشيخ عبد الحكم تاجر الفاكهة الطازجة والمحفوظة ذائع الصيت بالإسكندرية حيث يقصده من أراد فاكهة في غير موسمها فإنه يجد ضالته لديه ومعظم الزبائن من الحوامل لزوم الوَحم
كان شيخا رؤوما عاش سنوات قحطه بالإسكندرية يحمل قفص مانجو على رأسه يطوف بالأحياء إلى أن إقتصد ثمن عربة يد ثم عربة يجرها حمار ثم محل بسوق السمك القديم بالمنشية مساحته متران عمقا ومتر واحد عرضا وأربعة أمتار إرتفاعا ودكة خشبية تشبه تماما مقاعد هذا القطار الذي يجمعه بهذا الطفل الذي سيكون له بمثابة هدية السماء للمتقين بالأرض
أيقظه الشيخ عبد الحكم قبل الوصول لمحطة سيدي جابر وسأله أولا عن إسمه فأجاب محمد فقال له هل هناك من ينتظرك بالإسكندرية فتعجب أنه وصل الأسكندرية فأخذه الشيخ من يده وغادرا القطار وركبا الترام وصولا لميدان المنشية ثم سارا يدا بيد والطفل لا يعلم ماذا يخبيء له القدر والشيخ لا يدري أنه ممسك بيديه كنز حياته
وصلا للبيت كان بيتا ذا ثلاثة طوابق معظم مبناه من الخشب والحجر الجيري الكبير كانت السلالم تتراقص وترتج الحوائط بوقع أقدام الصاعدين الهابطين , وصلا للطابق الثاني حيث غرفة نوم ومعيشة وإستقبال ضيوف في آن واحد فبها سرير وطاولة وكرسيين وكنبة غرفة مبعثرة الأشلاء والمحتويات
أعد الشيخ شيئا أكلاه بنهم شديد فقد كان الجوع يعصف بالشيخ ويكاد يميت الفتى أكلا وناما وتقاسما الغرفة الشيخ فوق سريره والفتى محمد فوق الكنبة وناما نومة عميقة من المغرب حتى الفجر وتوضآ وذهبا للمسجد للصلاة وكانت زاوية صغيرة على ناصية الزقاق وتمشيا بعد الصلاة حتى وصلا للمحل الصغير وفتحاه رافعين بابه الصاج مرددين يا فتاح يا عليم يا رزاق يا كريم
إتسعت تجارة الشيخ مع الأيام بمساعدة محمد حتى أنه من حب الشيخ له إستخرج له شهادة ميلاد بإسمه الحقيقي ولكن من مواليد الإسكندرية كان محمد يكبر ويسافر مع الشيخ لشراء الجنائن والحقول والفاكهة بأرضها وأشار الشاب محمد على عمه بالعمل في التصدير للفاكهة والخضروات وقد كان
فتح الله عليهما من وسع بنى الشيخ العمائر أبراجا تحتها ثلاجات الفاكهة والخضروات وأعطى محمد شقة زوَّجه فيها من فتاة سكندرية حتى بدا محمد وكأنه نسي تماماً أنه قاهري إلى أن سمع صوت حبيبته يصدح بالراديو إنها نجاة الصغيرة أخت الفنانة سعاد حسني بنات الشيخ العواد صديق والده شيخ الحلاقين وحلاق الصحة - فأرسل على عنوان المحل رسالة يطمئن بها على إخوانه وأخواته وأمه وصلت الرسالة لمستاجر المحل - فقد توفي أباه الشيخ لرحمة الله وقام إخوانه من ابيه بالقاهرة بتأجير المحل حيث يعملا بجهاز الحكومة وبجهة سيادية عالية المقام – فقام المستأجر بإعطاء كبيرهم الإيجار مع الخطاب والغريب أنه لم يكن به العنوان التفصيلي للراسل فقط الأسكندرية وخاتم بريد المنشية ولكنهما وصلا إليه وعادت الصلة بين الإخوة ولكن محمد ما عاد للقاهرة إلا زائرا لبضع ساعات فقد كان يصاب في القاهرة لشدة زحامها بالإختناق وضيق في التنفس قد يصل لدرجة الإغماء إلى أن يوضع بعربة لتعيده للإسكندرية عندها يفيق ويجري الدم في عروقه فقد صار عاشقا لهذا البلد الذي إحتضنه بكل الحب والترحاب وصنع منه رجلا وتاجرا مسئولا – إسكندرية مرية وترابها زعفران
– تلك قصة خالي محمد رحمة الله عليه
تمت بحمد الله
*****
*********
سردية واقعية
في حي الظاهر بيبرس والحسينية العتيد تدور أحداث تلك المروية
حيث يقبع دكان شيخ الحلاقين الشيخ محمد نصر الذي يحمل الترخيص النحاسي بممارسة أعمال الحلاقة وإمتهان العمل كحكيم للصحة ويجري الإسعافات الأولية والتغيير على الجروح والقيام بعمليات جراحة الطهارة وإعداد الشربة الزيتية لطرد الديدان
وفوق كل هذا وذاك كان عواداً ماهرا يجيد العزف الإرتجالي على آلة العود وصديقه الأوحد الشيخ حسني الذي يشاركه غرامه الموسيقي كان الحاج محمد رجل رومانسي حالم وديع مع الجميع إلا أهل بيته زوجته وأبناءه وبناته كان حلالا لمشاكل الجيران وما أكثرها بل وكان حنونا ودودا ومثيراً للمشاكل ببيته وقاسي القلب
على الجانب الآخر كانت معاملته لزوجتة الريفية التي تضغره بثلاثين عاما معاملة السيد للعبيد لها ولأبنائها منه
لقد كانا على طرفي نقيض هو وصديق عمره الشيخ حسني والد الطفلتين سعاد ونجاة لقد كان في رقة النسيم معهما حتى لدرجة لو تأخر عليهما بالسهر عند الشيخ محمد شيخ الحلاقين كان يرسل الصبي محمد الإبن الأصغر للشيخ محمد ليطمئن عليهما وعلى أحوالهما حتى وقع الصبي محمد بغرام الطفلة نجاة رغم أنها بمقاييس الجمال أقل بدرجات من أختها سعاد فيكفيها بروز أسنانها وبروز عظامها عكس سعاد الغضة المكتنزة ولكن القلب وما يريد
كانت أم مصطفي زوجة شيخ الحلاقين كثيرة الشكوى ملولة لجذب إنتباه زوجها لها حتى أصابه منها كل الملل والضجر وفكر جدياً في الزواج عليها إنه يتطلع لإمرأة متطورة متحضرة تجيد فنون التجميل والمساحيق فكان له ما أراد حين أرسل القديمة لزيارة أهلها بريف مصر وأحضر غريمتها لتحل محلها في إحتلال أُسري بغيض فإذا ما عادت لم تتفاجأ كثيرا فكل المقدمات كانت تشير للنهايات فطلبت الطلاق ولكنه رفض فعادت أدراجها للبلد الذي أخرجت منه وهي طفلة لتتزوج وتتحمل زوجاً يكاد يقترب من سن أبيها وقد سمح لها الآن بالعودة مع الثلاث بنات وإحتفظ بالولدين مصطفى الأكبر ومحمد الصغير
عاش محمد الصغير مع أحلامه وحبه لنجاة الصغيرة برغم ما يلاقيه من زوجة ابيه من ضرب ومعاناة وكراهية ولما طفح الكيل قرر الرحيل وهو الذي لم يتعدى العاشرة من عمره ببضع شهور ولكن لأين فهو لا يعلم من علم الأماكن شيئا إلا بمقدار ما بين ميداني الحسينية والظاهر بيبرس ومحيط سينما مصر والمشاوير الليلية بين محل والده حيث تطيب السهرة مع الشيخ حسني وشقته للإطمئنان على البنات وأخذ جرعة حنان من نظرات الحبيبة نجاة وبرغم كل هذا الحب والتعلق به قرر الرحيل إلى أين .... لا يدري عن المجهول شيئا
قرر الرحيل ولم يحمل بين يديه الصغيرتين شيئاً من متاع الحياة بل حملته قدماه إلى باب الحديد حيث محطة مصر للسكك الحديدية فصعد أول عربة قطار صادفته جالساً على مساحة صغيرة بمقعد خشبي عريض يشبه دكة البوابين بشارع الخليج المصري والملك فاروق – جلس متعباً منهكا فقد سار طريقا طويلا من الحسينية فشارع النزهة وصولا لقصر السكاكيني باشا ثم عرج يسارا إلى أن وصل للباب الحديد إنكفأ بجانبه الأيمن على فخذ أحد المعلمين الذين يكتظ بهم القطار وكان الشيخ عبد الحكم تاجر الفاكهة الطازجة والمحفوظة ذائع الصيت بالإسكندرية حيث يقصده من أراد فاكهة في غير موسمها فإنه يجد ضالته لديه ومعظم الزبائن من الحوامل لزوم الوَحم
كان شيخا رؤوما عاش سنوات قحطه بالإسكندرية يحمل قفص مانجو على رأسه يطوف بالأحياء إلى أن إقتصد ثمن عربة يد ثم عربة يجرها حمار ثم محل بسوق السمك القديم بالمنشية مساحته متران عمقا ومتر واحد عرضا وأربعة أمتار إرتفاعا ودكة خشبية تشبه تماما مقاعد هذا القطار الذي يجمعه بهذا الطفل الذي سيكون له بمثابة هدية السماء للمتقين بالأرض
أيقظه الشيخ عبد الحكم قبل الوصول لمحطة سيدي جابر وسأله أولا عن إسمه فأجاب محمد فقال له هل هناك من ينتظرك بالإسكندرية فتعجب أنه وصل الأسكندرية فأخذه الشيخ من يده وغادرا القطار وركبا الترام وصولا لميدان المنشية ثم سارا يدا بيد والطفل لا يعلم ماذا يخبيء له القدر والشيخ لا يدري أنه ممسك بيديه كنز حياته
وصلا للبيت كان بيتا ذا ثلاثة طوابق معظم مبناه من الخشب والحجر الجيري الكبير كانت السلالم تتراقص وترتج الحوائط بوقع أقدام الصاعدين الهابطين , وصلا للطابق الثاني حيث غرفة نوم ومعيشة وإستقبال ضيوف في آن واحد فبها سرير وطاولة وكرسيين وكنبة غرفة مبعثرة الأشلاء والمحتويات
أعد الشيخ شيئا أكلاه بنهم شديد فقد كان الجوع يعصف بالشيخ ويكاد يميت الفتى أكلا وناما وتقاسما الغرفة الشيخ فوق سريره والفتى محمد فوق الكنبة وناما نومة عميقة من المغرب حتى الفجر وتوضآ وذهبا للمسجد للصلاة وكانت زاوية صغيرة على ناصية الزقاق وتمشيا بعد الصلاة حتى وصلا للمحل الصغير وفتحاه رافعين بابه الصاج مرددين يا فتاح يا عليم يا رزاق يا كريم
إتسعت تجارة الشيخ مع الأيام بمساعدة محمد حتى أنه من حب الشيخ له إستخرج له شهادة ميلاد بإسمه الحقيقي ولكن من مواليد الإسكندرية كان محمد يكبر ويسافر مع الشيخ لشراء الجنائن والحقول والفاكهة بأرضها وأشار الشاب محمد على عمه بالعمل في التصدير للفاكهة والخضروات وقد كان
فتح الله عليهما من وسع بنى الشيخ العمائر أبراجا تحتها ثلاجات الفاكهة والخضروات وأعطى محمد شقة زوَّجه فيها من فتاة سكندرية حتى بدا محمد وكأنه نسي تماماً أنه قاهري إلى أن سمع صوت حبيبته يصدح بالراديو إنها نجاة الصغيرة أخت الفنانة سعاد حسني بنات الشيخ العواد صديق والده شيخ الحلاقين وحلاق الصحة - فأرسل على عنوان المحل رسالة يطمئن بها على إخوانه وأخواته وأمه وصلت الرسالة لمستاجر المحل - فقد توفي أباه الشيخ لرحمة الله وقام إخوانه من ابيه بالقاهرة بتأجير المحل حيث يعملا بجهاز الحكومة وبجهة سيادية عالية المقام – فقام المستأجر بإعطاء كبيرهم الإيجار مع الخطاب والغريب أنه لم يكن به العنوان التفصيلي للراسل فقط الأسكندرية وخاتم بريد المنشية ولكنهما وصلا إليه وعادت الصلة بين الإخوة ولكن محمد ما عاد للقاهرة إلا زائرا لبضع ساعات فقد كان يصاب في القاهرة لشدة زحامها بالإختناق وضيق في التنفس قد يصل لدرجة الإغماء إلى أن يوضع بعربة لتعيده للإسكندرية عندها يفيق ويجري الدم في عروقه فقد صار عاشقا لهذا البلد الذي إحتضنه بكل الحب والترحاب وصنع منه رجلا وتاجرا مسئولا – إسكندرية مرية وترابها زعفران
– تلك قصة خالي محمد رحمة الله عليه
تمت بحمد الله
عادل شاكر

تعليقات
إرسال تعليق