((( احلام روان 2 )))

أبو مروان العنزي
من مجموعتي
القصصية ..الحلم
ط..دار نوفا بلاس الكويت
أحلام روان 2

...استدارت روان نحو والدها وهو يناديها لتجلس بجانبه وجانب أمها ، ارتبكت وارتجفت يدها وهي تواجهه وجها لوجه ،أحست أن هناك ما يخيفها من والدها وأمها ، فقد تعودت على الهيبة من والدها ، لا تستطيع أن تصارحه بما يدور في خلدها . اقتربت منهما وقد اضطربت مشاعرها .
- اسمعي ياروان : لقد كبرت يا ابنتي وهذا ابن خالتك تقدم يريد الزواج منك ، وأنت تعرفين مركزه وحالته المادية . لا يمكننا تجاهل هذا الأمر إنه غاية كل فتاة.
- ولكن يا أبي أنت أعطيت وعدا لمصطفى . فماذا تقول له ؟
- ( عصفور باليد خير من عشرة على الشجرة). ربما يعود ولا يطلبك للزواج .
من يدري ؟ لم نغامر ؟ لا نضمن الغيب . ( ولا يعلم الغيب إلا رب الغيب)
- ولكن ...
قاطعها والدها بعنف :الزواج سيتم لأنه الأفضل لك ، إن كنت تطيعين والديك فنحن أدرى بمصلحتك .
كبحت دموعها ، ولجمت أنفاسها الحارة التي تحرق صدرها ، واتجهت نحو
غرفتها ، اكتشفت أن حلمها كان سرابا في صحراء. نظرت إلى المرآة لم تعرف وجهها من شدة الحزن أرادت أن تضحك لأن شر البلية ما يضحك .
الإنسان لا يقف على رأي ولا على عهد . أهذه هي الحياة ؟ أهذه القيم التي تعلمتها في المدرسة وفي البيت ؟ أصبحت حائرة مرتبكة .
طرقت أمها الباب ودخلت :
- ياروان ، أنس ليس غريبا عنا ، وحالة أهله المادية حسنة ، وأهله يملكون سيارة وسيعطونه بيتا . أليس هذا أفضل لك ؟ وكما قال المثل :
ابشري يا حليمة جاء تك النعيمة .
- وانتفضت روان كالمسعورة لا ... لست حليمة ، ولا أريد النعيمة . لست سلعة تباع وتشترى . أنا إنسانة ذات مشاعر وقلب ، تقدم مصطفى لكم وأكثرتم من المطالب ، انتظروه حتى يعود. (الغدر ليس من شيم الكرام .)
- خرج الأمر من يدي -يا ابنتي – لقد أعطى والدك الجماعة موافقته ونحن كلنا موافقون من اجل مصلحتك . ما الذي يدفعنا أن ننتظر سنتين أو أكثر؟ .
-تريدون المال ، ولا تفكرون إلا بالمال .( ابن آدم لا يملأ عينه إلا التراب )
كان من الواجب أن تقفي معي ، وتقنعي أبي ، ولا تكوني ضدي . وأدارت برأسها عن أمها من شدة غضبها .
- الكلام لا ينفع معك لشدة عنادك وكما يقول المثل :
( ينزاح جبل ولا ينزاح طبع)
وخرجت الأم من الغرفة وهي عاتبة على ابنتها التي لم تقتنع بأقوالها .

..... حاولت روان مقاومة والديها وأن ترفض الزواج، ولكن إصرار والديها جعلها تستلم لرغبتيهما ، وتنقاد لرأيهما انقياد الشاة إلى المذبح . سلمت أمرها لله .
أدركت أن مقاومتها ستكون غير مفيدة ومصطفى بعيد عنها ، لا يوجد من يشد أزرها. أخرجت صورة مصطفى من خزانتها وراحت تنظر إليها وقد احمرت وجنتاها من الخجل ثم راحت تكلم الصورة : أنا آسفة يا مصطفى لم يعد بوسعي المقاومة أرجو أن تنصفني وتقبل عذري وعلى رأي أمي
( إن ما طاعك الزمان طعه .)
مزقت الصورة برفق وكأنه تمزق قطعة من قلبها لقد مزقت أهم حلم في حياتها .
وبسرعة وخلال أيام انتهت مراسم الزواج ، وزفت العروس إلى بيت زوجها طائعة صاغرة . أخلصت روان مع زوجها وابن خالتها وكان عليها أن تكون مثالا للزوجة الصالحة. وجدت أن رفض الزواج لم يعد ممكنا، والعصيان غير مفيد.

.... صدم مصطفى عندما سمع بزواج خطيبته روان ، لم يصدق في البداية ، لكن أخته أكدت له الخبر ، وأن حبيبة الأمس قد خانته وتزوجت غيره عندما وجدت الأفضل . وقالت له في رسالتها: روان كانت تريد ابن خالتها ولكنها وضعتك لتحرجه ولتدفعه للزواج منها . وقد أوصيتك سابقا بأن لا تأمن للنساء، ولو كانت تريد لتزوجتك قبل سفرك إلى الكويت .
كانت كلمات أخته كالزيت الذي يصب على النار، كره روان من أعماق نفسه ورآها مثالا للغدر والخيانة . مساكين الرجال أمام مكر النساء . ولكن الدنيا دوارة ، تمنى أن يرى في عينيه يوما نتيجة الغدر عند من غدر به وقال : آه يا زمن الغدر ! وا أسفاه على حلم مات قبل آوانه . العالم لن يتوقف أبدا ، ما حدث كان خطأ .نظر من نافذة غرفته رأى السماء متلبدة بالغيوم ، هذا اليوم يشبه يوم سفره من حلب عام1995. ذهب ليودع روان . لقد سلبت إرادته يومها وأظهر ضعفه أمامها . بالرغم من خجله الشديد ، وحيائه الزائد فقد تسمرت عيناه بالعينين الزرقاوين الذابلتين . ذاب في حبها ، ومن أجلها خرج من بلده مهاجرا ، لم يكن يعرف أن الوصول إلى قلب المرأة الجميلة يمر عبر بوابة المال . الآن أدرك الحقيقة سيجمع المال ويصل به إلى قلب أجمل امرأة .
قرر مصطفى أن ينسى روان ، وأن يمسح اسمها من ذاكرته وقلبه لأنها لا تستحق حبه . ولن ينخدع بكيد النساء بعد اليوم . تناول مذكرته وراح يكتب عليها بعض الانفعالات العاطفيه يعبر فيها عن حزنه : اليوم كرهتك .. وقلبي لم يعرف الكره يوما .. يا ثعبانا يسكن في جسد ملائكي ... ستكونين قصة تافهة في حياتي ،أرويها لكل أحبائي ، أرويها في فرحي وحزني ... في ضحكتي وعبوسي.

مضت السنون ونسي كل منهما الآخر، فقد سعدت روان مع زوجها ورزقت منه بابنة وحيدة تعلقت بها كثيرا ، ولم يخطر مصطفى على بالها بعد الزواج إلا نادرا. وشاءت الأقدار أن تنتقل روان مع زوجها المهندس إلى الكويت حيث راع يعمل في شركة كبرى . عندما انتقلت روان إلى الكويت خطر على بالها مصطفى وقالت في نفسها لا بد أنه غادر هذه البلاد منذ سنوات بعد أن تزوج . لم تكن تعرف أن تسكن مع أول حب لها في نفس المنطقة ، في السالمية وهي من المناطق الكبرى في الكويت .
تابع حياته في الكويت يمارس عمله تطويه السنوات دون أن يفكر في الزواج .
لا يلتفت إلى شيء إلا لعمله. ويقضي أوقات فراغه مع الأصدقاء والأحباب .
عشر سنوات مضت من عمر مصطفى ولم يفكر في الزواج . لكنه هذا العام يود أن ينزل إلى بلده بشكل نهائي، وقد قرر تقديم استقالته من عمله مع نهاية العام حسب العقد الموقع مع الشركة التي يعمل معها .

....كانت روان تقود سيارتها بسرعة ، وأرادت التوقف أما م محل لألعاب الأطفال لتشتري لابنتها لعبة قد وعدتها بها . ولكن الطفلة لم تنتظر وقوف السيارة فتحت الباب فنزلت من السيارة فوقعت على الأرض ، ارتبكت الأم وصراخها يعلو أوقفت السيارة ونزلت منها تركض نحو ابنتها مولولة ، ثمة رجل كان أسرع منها حمل الصغيرة بين ذراعيه ووضعها في سيارته ، وركبت الأم في المقعد الخلفي . وانطلق بهما إلى أقرب مستشفى ، كان الرجل يتابع الطفلة وقد احتاجت إلى الدم فتبرع من دمه لأن زمرة الدم نادرة غير متوفرة في المستشفى ، بفضل الله ثم بفضل الرجل تم إنقاذ الطفلة .
قال الطبيب مبشرا الرجل لقد اجتازت مرحلة الخطر وهي بخير والحمد لله .
التفت مصطفى إلى المرأة ليسألها عن والد الطفلة وحاجتها .
التقت العينان مع بعضهما عرف كل منهما الآخر، أرادت أن تشكره على موقفه النبيل ولكنه سحب نفسه بهدوء ولم يلتفت وراءه، ولم يسمع كلامها ، ركضت وراء ، مسكت بسترته ، وهي ترجوه أن ينتظر . لكن الرجل لم يقف أشاح بوجهه عنها. أحس بأنفاسه تنقطع ومشاعره تتأجج .
عقدت الدهشة لسان روان ، لم تستطع الكلام حاول زوجها التخفيف عنها بعد أن حضر وطمأنها أن ابنتهما بخير حاول أن يعرف اسم الرجل النبيل أنكرت روان معرفته . لقد كان نبيلا معها ولن تستطيع أن توفيه حقه .

عادت العينان النجلاوان الزرقاوان إلى بيتها حزينة متأسفة . كانت أمنيتها أن تشرح لمصطفى الظروف التي أجبرتها على الزواج . وأن تشكره على نبله وأخلاقه .
كانت واثقة لو انه عرف الظروف لسامحها، صاحب القلب الأبيض لا يعرف الحقد. هكذا كان حلم حياتها الذي بدأ وانتهى ولا زالت في حلمها .
تعلمت درسا في الحياة أن أجمل حلم في حياة الإنسان أن يبقى نبيلا في حياته ، عظيما في عيون الآخرين .

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

((((( غدر الاقارب. ))))

(((( أبت الحقارةُ أن تفارِقَ أهلها. ))))

يا من تراقبني بصمت