قصة مختلفة...

فاطمة سعد الله تكتب /.......
قصة مختلفة

الفصل الأول

التقيا ذات صدفة ..وعند منعرج المصير توقفا ينظل كل منهما الى الآخر بصمت..
في أول مصافحة لهما أطلّ من نافذة الحروف المخمليّة وقال: "قرأتك بهدوء " ..
رفّ جناحها ..اطمأأنت..
هي تعرف أن القراءات كثيرة وتدرك أن أفضلها قراءة العقل للوجدان :عناق الفكر للشعور 
ابتسمت ..تمتمت .."ربما"..
نسجت اللقاءات بينهما بساطا سحريا فيه من الخيال سدى ومن الواقع لحمة ..طرزت الكلمات كل المسافات 
بتفاصيل الحلم و العطر ..قال لها ذات بوْحٍ :"أحبك .أفرح لوجودك وبوجودك ."ودون تردد قالت :لماذا أنا؟
قال:لأنك مخلوط من روح أعرفها وملامح سكنتني وحرف أعرف منبعه ومكامن أسراره قبل اللقاء .أنثى ..
ثقي أنني عرفتك روحا وحرفا قبل كل شيء آخر ..أنت تهمينني تأ كدي أريد أن أعيش معك قصة حب صادقة نقية وكفى .
توارت خلف أسوار الصمت ..لم تفرح .لم تحزن .ظلت تتلمس نبضاته في شرايين الانتظار .كانت تخشى ايقاع العذاب عندما ينفجر مع كل نبضة ..جالت في مدار فراغها.غاصت في عمق عمقها ..همست :لكنك جئت في الزمن الغلط ..
أمسك أطراف أناملها مغردا : قد تتسرب نضارتك رملا بين اناملك ..قد تنطفىء شعلة التوهج في مقلتيك ..قد ..قد ..لكنني أهواك بقوة ..ضمة واحدة منك تكفيني ..لاتترددي حسسيني بدفء مشاعرك ..لاتخافي المرآة غاليتي أسندي مشاعرك على صدقي ..أنا صادق .مشاعري صادقة .كل ثانية لنا معا ستكون صبا ونبضا وبريقا 
أحبك ولا غاية من وجودي الا ..أنتِ ..
أشرقي بين اضلعي قصيدة عشق ..توهجي شمسا في مداري ...كوني أنا ...
ضفرت جدائل الضياء بين سمائهما والارض ..هطلت الحروف زخات تمطر سنوات الجدب ..أزهرت حقول الوعود ..تحدت السنابل عقم الوجع ..بدأت مواسم الضباب تلملم عباءة الغسق ..
ركض نبض الحياة بين الصخور دون تعثر ..مدت راحتيْها تلتقط حبات القطْر وزخات حب ستخضر له اعواد الكبريت الساكنة جوارها ..موسم الحصاد بدأت بشائره .
أسدل الستار .
أحرق اخضرار الحلم .
رحل .....{يتبع }
فاطمة سعدالله ــ تونس ــ

الفصل الثاني :2

غاب .. انتظرت ..كانت بعده تعد الأيام ثم أصبحت تنضّد حزم السنين بعضها فوق بعض ....
توقفت عن الانتظار ..تحولت الى رصد قطيع الشيب يغزوها مدججا بالبياض والفتور ..استكانت 
ثم انتظمت في سلك العنوسة ...
عصفت به رياح الحنين وهز الشوق حروفه ..اشتعلت حروفه من جديد ..ترسّم المسار ..ومن سديم الرماد 
انبثق عصفور الود ...
وذات ميلاد ..عاد ..عادت أنغامه تتودّد ..
استقبلته خزانة فساتينها ..تعطرت مسام الانتظار ..توالد النرجس والياسمين بين خصلات الشعر واللقاء ..راحت
تلتقيه كمراهقة في أول موعد ..
كان ذلك ذات مساء ..جلسا في الصف الأول بمسرح المدينة ..ذاك المسرح دائري الشكل كانت طوابق تعج بالمتفرجين والستارة الحمراء منسدلة بكل وقار ...في انتظار الضربات الثلاث انسابت موسيقى حالمة تدفىء المكان ..الأضواء الخافتة تنير الفضاء وماشاب سنوات البعد من ظلام ..
أما هما فكان يتسليان ــ في انتضار العرض ـــ بحبات الحلم والعتاب ..قالت : دون أن تفتح شفتيها ..سامحتك ..يكفيني من الكون وجودك ..أنت هنا ...
انطلق العرض وهما يسبحان في دفء راحتيْهما تهدهدهما رقصات الأضواء الملوّنة ورعشة الستارة بين المشاهد والفصول ...أفلت الزمن أثناء تلك الجلسة الصافية فلم يحصيا له الدقائق أو الساعات ..كانا معا ..
جنبا الى جنب ..وكفى ...
خرجا الى شارع كبير يستحم بأمطار قوية ..رقص قلبها ..انها تعشق المطر ..لم تحْتمِ بمطريتها بل ركضت
الطفلة فيها تحتضن وابل الماء تدفعها سعادة غامرة ..دارت حول نفسها مرات ومرات ..فراشة حول شمعة مضاءة ..لحق بها ..أوقف رقصتها الجنونية بضمة بين جناحيْه ..استكانت ..ظلت ترتجف ..عصفورة مبللة في ليلة شتائية ..قال : ــكأنما ليوقظها من غفوتها ــ والآن؟
قالت " أنا جائعة ..أحس أن لدي القابلية لآكل خروفا محشيا بأكمله ..ضحكت بتمام الفرح ..بتمام النقاء ..
الشارع طويل ومضاء تتوسطه الأشجار الصامتة ...جوقة العصافير ساكنة بعد يوم نشيط..تقضيه المناقير 
بين الزقزقة والتقاط حبات الحياة ..
المطاعم الفاخرة ,,الفنادق الدافئة في انتظار الزبائن ...انها ليلة الأحد ..والناس في هذا البلد لايبخلون على أنفسهم ببعض الرفاهية يوما واحدا يتحررون فيه من ضغط أسبوع كامل ..
قادهما السير الى الفندق الذي نزل به حال وصوله هذا الصباح ..توجها فورا نحو المطعم ..
جلس قبالتها ..كان يلتهمها بنظراته ..كان شعرها مبللا ...تخففت من بعض الملابس الثقيلة ..كانت تختلس النظر ..تود أن تطبع صورته بين جوانحها ..
تناولت قائمة الأطعمة ..وبدأت تصعد بصرها وتصوبه بحثا عما يحرك شهيتها رغم الجوع الذي يدغدغ أمعاءها
هي صعبة الرضا على المائدة ..
غاب قليلا ثم عاد اليها ..غير ثيابه ..جلس يبادلها نظرات تحترق شوقا ..غير مجلسه ..خاصرها بذراع جائعة ..وشوش في أذنها ..أحبك ..أشتاقك يقوة ..بقوة ..كانت نبرته الخافتة تفضح نيته ثم قال :ماذا لو صعدنا الى الغرفة وهناك تجففين شعرك وتنعمين ببعض الدفء ..سترتاحين أكثر ..
بكل وضوح كانت الدعوة وبكل توهج كان النداء ..
انتفضت العصفورة المبللة ..صعقها الوجه الآخر ..لقد سقط القناع ..
انتصبت النخلة السامقة في واحة الشموخ .. وضعت ورقات نقدية على المائدة الحافلة بالأطعمة ..انطلقت دون التفات ..ظل في مقعدة واجما ..ومرة أخرى أحرق الأخضر واليابس ..حزم حقائب الزيف ورحل ...

فاطمة سعدالله ــ تونس ـــــ { يتبع } ......

ـــــ قصة مختلفة ـــــــ

الفصل الثالث

رممت ما تشظى في حديقتها من شجر وظلال وزهر ..جعلت حولها أقواسا ودوائر ..
شموسا وأقمارا .. أغمارا من الدفء والضياء ..
لملمت ما تفلّت في فضاء السنين من فراشات الحلم ..لوّنتها بكل الألوان ..ما عدا الأسود ..لقد اقتلعته من الجذور ..
بات فضاؤها بلا كدمات ..بلا عثرات ...بلا حسرة ..لا شيء غير النجوم ترصعه ..في انتظار انبلاج الفجر 
كانت تستيقظ صباحا على شذا تلك الليمونة المغروسة عند نافذتها ..تسارع اليها ..تسقيها ..
تنقي ماسقط عند قدميها من أوراق جافة ..تنتظر نضوج حباتها على موقد الشوق واللهفة ..
تذكرها تلك الحبات الذهبية بأكواب العصير المثلجة التي كانا يتناولانها معا في الأماسي الصيفيّة ..
تنتفض كلما خطر ببالها ..تركض الى غرفتها تسدل الستائر خشية أن تتسلّل ملامحه اليها ليلا وتسلمها الى الأرق ...عندما يثقلها غيابه بالحضور يختنق النبض في أوردتها وتضيق فسحة الانتظار ..
تركض نحو حديقة الحيوانات القريبة من مقر اقامتها ...ورغم إحساسها بالوحدة يكتظ فراغها بمشاهد متنوعة ..الفيلة تتحاور بصمت ...الطيور السجينة ترفّ كي لاتنسى أجنحتها الطيران ..تتحسّس حقيبة يدها ..تخرج ما جلبته من طعام تزق به بجعات ما تتوقف عن عزف سمفونيتها في البحيرة التي تتوسط الحديقة ..تبتسم شفتاها ..تتلاحق خفقات فؤادها لمشهد مراهقيْن في حالة دوار عشقي ..تتلمّس ملامح وجهها المنعكسة على صفحة الماء ولا تجرؤ على التساؤل ..تمرر أناملها على خصلة ثائرة خشية أن تفضحها شعيْرات بيضاء أطلت بخفر ..هذه اللوحة المتناسقة :الخضرة ..الايقلعات المتناغمة والحيوانات الجميلة تجعلها تحس أنها نشاز فتعود أدراجها الى البيت مشيا ...وما صفع خطواتها لوجه الأرض الا نوع من الجلد لتفكيرها الذي لا يتوقف عن التساؤلات ..
لماذا تسكنها ذكراه ؟ لماذا يثقل الصمت وتتسع براحات الهجر ويجف حلق الاصطبار ؟لماذا لاتحدث تغييرات جذرية في بيتها تمحو معالم الماضي وترسم لوحة آتٍٍ مونق ..؟ لماذا؟ولماذا لا تسكت هذه الآلة 
عن الجرش والدوران ؟
وذات إشراقة ..كانت تجلس في حديقة بيتها ..شاقها الحنين إلى الفرشاة والألوان ..بادرت بإحضار عدّة 
الرسم ..انهمكت تنتقي الألوان وبدأت بالأبيض ..داعبتها ابتسامة خفيفة ..الأبيض فأل خير ورمز للنقاء وهذا 
الأخضر العشبي المنعش سيملأ فضاء اللوحة خصوبة سندسية وحياة دافئة ..أما أنتَ أيها الأزرق ..أيها الأمل الدائم الرفيفِ بين جوانحي ..كم تذكرني ببدلة العمال الكادحين ! 
ترى أي لوحة ستلملم هذه الشظايا؟
كم ستكون جميلة لو أثّثتها بركض الأطفال خلف فراشات ذهبيّة..!كم ستكون متوهّجة لو توسّطتها شمس تموز!..كم ستكون نضرة مورقة لو امتلأت زواياها مطامير قمح وخير !
كانت فرشاتها تأبى أن ترسم إلا الحضورمتشحا بمئزر اللقاء المخملي ..خامرتها خفقة خاطفة ..ماذا لو مر الآن من هنا؟ هل سيستمرىء هذا الجمال؟ 
طردت هذه الهواجس وجمعت ألوانها ورموزها وفرّت من ذاتها الى ذاتها ..
خبّأت وجهها عن المرآة المنتصبة في البهو كالقناص تترصد كل حركة وكل لمحة والتماعة تصدر عنها ..
تتجسس عليها حتى من وراء قضبان أضلاعها ..تحاصر كل نبضة قد تنبت في وجدانها المتيبّبس عطشا الى إيقاف الزمن ..فيتحرر الحاضر من الماضي وتمتدّ جسور الوصل نحو نهر العودة واللقاء ..
تمتمتْ كم أحببته !
ليتني أغرقته في بركة النسيان الآسنة ..
عادت من العمل مرهقة ذات مساء ..استلقت على فراشها تستدعي النوم وتتوسل اليه بالإسراع ..وبين غفوة واستفاقة سمعت خطاه تطرق دهاليز وجدانها بإلحاح ..فاجأها صوته يخترق براحات الفكر ويطوي منعرجات الزمن ..انتفضت ...بسملت ..حوقلت ..لكنه هنا ..ككل مرة يفاجئها بإطلالته ثم يباغتها بالغياب والصمت ..قال : اشتقت ..أحتاجك ..أدمنتك ولا أريد منك برْءا ..تجمدت ..احمرّت وجنتاها ..ارتفعت حرارتها ..ثم غسلها العرق ..ودّت لو يهز الكون اعطافه احتفاء بهذه اللحظة ..أرادت أن تركض نحوه 
وتحضن هامته المنتصبة امامها ..قدماها متسمرتان ..تغوصان وتغوصان ..هدّتها محاولة اقتلاعهما فتهالكت على رمل بارد كالصقيع ..وقبل أن تفترّ شفتاها ..رأت هامته تتلاشى
غبارا شفيفا ..يغطي فضاء الغرفة ..لم تصدق ما سمعت و رأت ..لماذا جاء؟ وكيف تلاشى ؟
أغمضت عينيْها ودست وجهها في وسادة أحلامها تبحث عن ذاك النجم ..البعيد ...../ انتهت

فاطمة سعدالله ــتونس ــ

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

((((( غدر الاقارب. ))))

(((( أبت الحقارةُ أن تفارِقَ أهلها. ))))

يا من تراقبني بصمت