*** طفل الزبد ***




 هدى كريد / تكتب

****

طفل الزّبد
كُنْتُ أحتسي قهوتي في مقهى "الماريتيم" بسوسة صبيحة يوم شتائي جميل. وكان بعض عتاةُ السّباحة يعانقون الأمواج المغناج وهي تتأوَّدُ على إيقاع حركات أجسادهم وقد تحدّت بفورة الشباب برودة المياه واتخذ آخرون من رمال الشاطئ الذهبية مرتعا لتجوالهم يذرعون المكان جيئة وذهابا. أجلت بصري الهائم بالجمال حيث التماس بين البحر والسّماء وسرّ اللقاء المتوهج بالصبابة بين الكائنات الربانية كان كل شيء يوحي بالهدوء تنعم بالسكينة الصّافية التي تفتقدها عادة في صخب المدن. أعادتني قرقرة الشيشة الى طاولتي ولفت انتباهي جسمُ ُ رخاميُّ ُ بفرع أسود فاتن لامرأة في الثلاثينات من عمرها الزرقة من عينيها ومن البحر سواء حضورها مهيب جليل لا تملك إلا تراتيل التقديس في حضرته قادتني حركة العينين المغويتين الى عمق البحر حيث الزبد يرسم أمامنا أحلامه اللاّمتناهية، تجتمع حشوده في انتظام وتتتابع ما بين فرقة وشتات. لقد شدّتني ولادته الخصيبة وآلمني فناؤه المحتوم وقلت لنفسي ما أشبه الزبد بنا في ميلادنا وموتنا. قطع تأملاتي صوتها بصرخة اخترقت الصّمت ومزّقت نياط القلب واندفعت الى البحر، لا تلوى على شيء تسمّرت في مكاني ولم أجد تفسيرا لمسلكها الغريب، لم أتجاسر على اللّحاق بها فداخل كل واحد منا حكاية وسؤال وأسرار تحتجب وتتخفى عن الفضول فلزمت أرضي صيانة لحرمتها واكتفيت بملاحقة التفاصيل وأنا التي لا أتوانى عن مساعدة. ولكن حادثة واحدة غيّرت مجرى حياتي وجعلتني أراجع اختياراتي. يومها لم يسعفني أحد. ما فكر واحد من السّابلة في تنبيهي الى يد السارق وهي تنفذ الى حقيبتي وتستولي على ما فيها من مال وأوراق. منذ تلك الحادثة عدلت عن التدخل في شؤون الورى. أليس موقع المتفرج في أيامنا هذه مأمون العواقب؟
رأيتُها تنحني وبلهفة تحتضن المياه وتقبّل ما رفعته بين يديها. تفاقمت حيرتي، لا شك أن الجمال فيها يخفي خللا نفسيّا وإلاّ ما الذي يحدو بها الى مثل هذا الصّنيع تجمهر حولها خلق كثير من تألم لحالها ومن قاده الفضول الى معرفة ما يحدث. وتناهى إلى مسامعي ما انفلت من كلامهم.
أقصري يا هذه؟ ماذا دهاك يا امرأة؟ أبك مسّ من جنون.
ثم اقترب منها شيخ وقور وقال بحنوّ: ما بك يا بنيتي استعيذي من الشّيطان الرجيم وكفى عن هذا الهراء.
تجاهلت القامة الفارعة كلّ الأسئلة ولم تنبس ببنت شفة وأشاحت عن الوجوه المتفرّسة فيها. وعادت ممسكة بيدها ما تراه، تنحني عليه بين الفينة والأخرى مخاطبة الفراغ.
وجاورتني في مقعدها المتسائل وجذبت كرسيّا ثانيا وهي تقول بصوت جذل:
- اجلس يا بنيّ كم افتقدتك ياكنزي السّنيّ... كم عانقت في وحدتي طيفك. حمدا لله ها قد التقينا أخيرا. لله الأمر من قبل ومن بعد... كنت دوما على يقين راسخ بأن الإله الرّحيم لن يقسو عليّ وسيعيدك إليّ طال الدّهر أو قصر... دعني يا حبيبي نحتفل بعودتك. أترغب بعصير البرتقال الذي تحبه؟
تسمرت في مكاني وألجمتني الحيرة وهجرت كأس قهوتي كي أركّز على المشهد. انصرف الرّوّاد إلى أحاديثهم وضجيجهم اليوميّ. وقدّم النادل كأس العصير. وماذا يعنيه المهم أن الحقيبة المتورّمة تبشّر بالخير الوفير.
قال بأدب جمّ:
- تفضّلي سيّدتي. ولم تفلح نبراته في إخفاء السّخريّة:
- بالهناء والشّفاء
وغادر الطّاولة وهو يغمزني كأنني متواطئة مع صنيعه.
انحنت المرأة تقبّل كينونة مجهولة بشغف. كدت أحوّل نظري عنها إلى الشّاطئ المثير الذي أدمنت زيارته. كدت أفعل ذلك ولكن لعجبي لاحظت تناقص السّائل البرتقاليّ، لاحظت بدهشة كبيرة انتصاف الكأس. أيعقل أن يحدث هذا؟ بأيّ منطق أستوعب ما يجري أمامي؟
لا زال صوتها يلاحقني:
- أتذكر وليد تلك الصّائفة المشؤومة لمّا أفلتَّ منّي في زحمة المصطافين؟
في ذلك اليوم الحزين تجنّد النّاس وأعوان الحماية للبحث عنك دون طائل. خمس سنوات مرّت وأنا أتلظّى بسعير البعاد. أقرّ الكلّ بموتك. وأقام والدك العزاء بعد أسبوعين وأنا منزوية في غرفتي، لا أبالي بما يفعلون. فأنت حيٌّ تنبض بك دقّات قلبي يردّد وجيبها اسمك. تتراءى لي كلّ ليلة مرتديا حلّة زرقاء لا أذكر أنّي اشتريتها لك وتنام بجواري كما الملائكة أو أطهر. فتأخذني هدأة الكرى. ومع إطلالة كلّ صباح أخبر أباك بما شاهدت فيداري بسمة حزينة:
- ما هكذا تجابهين إرادة الخالق، ارضخي لمشيئته يا زينب، للأسف رحل وليد للأبد. غرق في اللجج الهادرة ورأيت بأمّي عينيّ جثته الزرقاء المختنقة. كفّي حبيبتي عن الأوهام وسيعوّضنا الله عنه وفي قلب المحنة يشرق الخلاص...
مرّت سنواتُ الجمر وأناخت الهموم على قلبي وران السّواد على حياتي وها أنا اليوم أنبعث ببعثك فتقرّ عيني. ولهج لسانها بالثناء على الاله الرحيم. وما إن انتهت المرأةُ الباكيةُ من رواية قصتها المريرة حتى كفكفت ما أمطرته عيناها الزرقاوان فاستمْطرَتْ بكائي. ومع هذا تجلّدْتُ وبي عزم على إكمال الوقائع الغريبة في المدينة الحبيبة.
وسحّت السّماء ما سحّت من دموعها الثقال وكأنها تشارك المسكينةَ أوصابها.
وفجأة هبّت واقفة:
- سمعا وطاعة وليد أتريد كعادتك أن تجوب أزقّة المدينة العتيقة لطالما أحببتها كما تحبّها و أكثر أقفو خطاك فيها وأستنشق عبيرك في أزقتها وأنهجها...
غاب عني صوتها في خضمّ انشغالي بدفع حسابي. لطالما عشقت هذه المدينة الآسرة بيد أني اليوم لعنتها ألف مرّة لأنها شغلتني عن جارتي في المقهى.
أخذْتُ حقيبة يدي بلهوجة وغادرت المقهى بسرعة وأنا ألاحق الزمن.
تقطّعت أنفاسي في غمرة جريي حتى وجدتهما قرب المركز التجاريّ الضّخم. كانا يتطلعان إلى الواجهة البلّورية ثم قادتهما الخطى إلى محلّ بيع للعب الأطفال. وقفت أرعاهما عن كثب وأستشعر لذّة وليد بثوبه الجديد. أطير مع أسراب الطيور جذلى وقذ توهجت الطفلة القابعة فيّ ببريق السّعادة.
وسرعان ما اربدّ المشهد وتفجّرت داخل سكونه صيحة مدوّية:
- أين اختفيت ياصغيري؟
وقطع النّحيب سؤالها وتهالكت خائرة القوى متقطعة الأنفاس والنشيج يتصاعد نحو عنان السّماء. فيردد الصدى عويلها.
ورقّت لها قلوب المارة:
- ماذا كان يرتدي يا سيدتي؟ ما سنّه؟
ولا من مجيب. ذابت الفرحة العارمة وهاتف الشرطي الزوج فجاء على جناح السرعة وحمل المسكينة إلى عيادة طبيبها النّفسيّ الذي استقرّ رأيه هذه المرّة على الاحتفاظ بها في مصحة معروفة كانت مرتعا لمن طوّحت بهم الحياة وقهرتهم نوائب الدّهر.
وجدْتُ قدميّ تجرّاني إلى محطة سيارات الأجرة ونفسي تذوب حسرة على الوليد الفقيد والأمل الذي ذوى ما إن زها.
هدى كريد

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

((((( غدر الاقارب. ))))

(((( أبت الحقارةُ أن تفارِقَ أهلها. ))))

يا من تراقبني بصمت