**موعد مع العشق الوهم*. نجلاء عطية
نجلاء عطية تكتب
..**موعد مع العشق الوهم**..
كنت حينها لم أتجاوز بعد الخامس عشرة من عمري، متيّمة بابن الجيران..لست أدري كم كان يكبرني ولكنّي أذكر جيّدا أنه كان محط إعجاب كل الفتيات وربما لهذا السبب أحببته ففي ذاك العمر ،الحب نزوة تحكمها بعض الانفعالات كالغيرة أو التباهي أو حتّى الشّعور بالنّقص .وقد نحبّ فقط لمجرد العبث أو ملء الفراغ...نزوة تدفعنا لخوض مغامرة لا نتكهّن إلى أيّ محطّة ستوصلنا أو إلى أيّ مرسى ستقذف بنا أمواجها ...نستبعد الأخطار مع أنّها تحدق بنا من كلّ جانب،لا نهتمّ إلّا بكلمة اطراء نسمعها فتزهو النّفس أو نظرة تحمرّ لها وجوهنا وتغصّ حلوقنا بكلمات يقتلها الخجل على شفاهنا فلا نقولها ولكنّ معانيها تتجاوز صمتنا، واضحة معرّاة من الكذب .أمّا اللّقاء معه فكان في ذاك الوقت وليد صدفة مؤكدة تسجّلها عقارب السّاعة لحظة بلا مثيل والخطوات هدفا كم تتسارع لبلوغه ، صدفة يحدّدها لنا موعد بيوم العطلة الأسبوعية . هو لقاء محمول بجبلّة عشقنا للكتب ، تقاطع مفضّل نتحيّنه بلهفة أثناء رحلة بحثنا عن عنوان لإحدى الرّوايات أو القصص بالمكتبة العمومية ، اثره تتشابك الايدي في مصافحة تبعثرنا لدرجة الدّخول في غيبوبة وكم مضحك هو ذاك الموقف ونحن نبتسم بلا سبب، نضيع في المكان وكأنّه متاهة مع أننا نعرفه شبرا شبرا، نتلعثم فيكون كلامنا مبهما مع أنّنا قضّينا ساعات طوال نحفظ ما سنقول ولكن هيهات ،في تلك الآونة يتملّكنا الشّعور بالانهزام أمام ارتباكنا ويتدحرج الكتاب ولا يرجعنا لواقعنا ألّا ذاك الصوت الخشن الفاقد لرهافة الإحساس و الّذي لا يبالي بصغار مثلنا جاؤوه ليعكروا صفوه ولا يعلم أنّنا سنكرهه جدّا بل ربّما نحقد عليه فنسقط عنوة ما نجده أمامنا من الكتب فقط لأنّه سرق منّا سعادتنا الصّغيرة الّتي كنّا نتوهّمها مرتبطة بتلك اللّحظة المذهلة...انّه صوت ذاك المسؤول وكم أحترمه اليوم، وهو يزلزل الأرض تحت أقدامنا ، يحذّرنا بشدّة ويؤنبنا على عبثنا بالكتب. كلماته الغيورة الغاضبة لا نفهم معناها ألّا متى رجعنا للمنزل بعد خوض ملحمة من العشق يشهد عليها كتاب يبقى مغلقا وكهل غافل عمّا يخالجنا من مشاعر وكي لا تنكشف أمام أنفسنا أكثر ، نتظاهر بالدّهشة لجمال الصدفة التي جمعتنا وتأبى الذاكرة أن تجود ولو بجملة يتيمة نتلذّذ معانيها بعد الفراق ،لقاء كنت أترقّبه بلهفةمترفة ، تعلّمت منه السّهر حتّى طلوع الشّمس ،كانت ساعات من الانتظار يقتلني الشّوق أثناءها لست أدري اليوم أ لذاك الشّاب أم للكتاب أكثر .. معاني حفظتها بإتقان وبقيت تزدحم في أعماقي تفاصيلها لأكتبها اليوم ، قصّتي الأولى مع العشق بطلتها تلك على مقاس موهبتي اليوم وسعة وهم قلبي النّابض انذاك وسعة خيالي الصّادق الآن.....موعد مع العشق الوهم....الجزء الثاني
ورجعت إلى البيت حبلى ببنات أفكاري فاللّقاء وإن كان خاليا من الكلام فإنّي كنت أقرأ في بريق عيني ذاك الحبيب همسا يشبع غرور طفلة مازالت تتحسّس أنوثتها لفتوّتها الغضّة بكلّ براءة. وأطرح ذكرياتي على السّرير وأتمدّد بجانبها ، تحضنني بشوق مرّة فتزهر أكثر....واحضنها مرّات كي أكتم أنفاسها . فبعض خيال المراهقين نسيج لا يتحمّله أصحاب العقول السويّة من الكبار . وحتّى لا أخوض معركة أخسرها لصغر سنّي ،كنت ارفض أن يزجّ بي خيالي في ثورة الأحاسيس فقد لا يقدر شابّ زاه بذكورته أن يكبح جماح رغباته ولن أتمكن انا مهما فعلت من الصّمود أمام شهوات قد أتصرف معها بفطرتي فأدخل عالم الكبار وأنا مازلت صبيّة لم تكتشف بعد مفاتنها . ولأنجو بجلدي ،غادرت فراشي فهو مكان يلهم خيالي بالخوض في تلك الأمور المعقّدة واتّجهت - ولست أعرف دوافعي الباطنة أنذاك - إلى المرآة . كنت مستبسلة في غلق تلك النّافذة بخيالي حتّى أضمن ألّا أغتصب ويزجّ بي في بؤرة الرّذيلة ، كلمة لطالما سمعتها تتردّد أمامي وقرأت عنها في قصص احسان عبد القدّوس وفلوبير وغيرهما ....خفت صدقا لو يلهمني خيالي جنونا تتحكّم فيه طبيعتنا الفيزيولوجية لكنّنا نقمعها ولم أتساءل حينها عن السّبب ولكنّي بعد فترة وجيزة إثر ما حصل مع بنت بمعهدنا ، فهمت واستوعبت أنّ الحبّ ممنوع وممارسته ممنوعة أكثر....معصية .
صلبت طولي أمام المرآة علّني أغيّر وجهة أفكاري فوجدتني أتعرّ ى بالكامل أمام واقعي الرّديء وأصير فريسة مستساغة لعيني الّتي تريني أكثر ممّا يجب ان أراه ويتكلّم لساني فصيحا بما يخالج عقلي من أفكار وأنهي معركتي مع المرآة محتضنة أكثر من ذي قبل خيالي ......تبّا له كم يهوى وضع النّقاط على الحروف كي يرغمني على قراءة الحقيقة كاملة ...كم كان يعكس إرادتي في الصّمت والهروب أمام أمّهات القضايا ككل المحيطين بي ويتكلّم بصوت عال و بكلّ جرأة عنها فتضجّ نفسي ... يقودني كعمياء للوصول إلى كلّ الممنوعات ليحكيها ولا أنبس ببنت شفة لأنّي أخجل من ضعفي أمام الحقائق المثبتة علميّا ونفسيّا واجتماعيّا فلا أقدر على نفيها ولا الادلاء بها صراحة ....فقد قبروا فينا الشجاعة وأيّ طفلة هذه التّي ستتكلّم في الغريزة؟ أيّ كارثة سأواجهها وأيّ محرقة سأرمي فيها نفسي ؟ كيف أنأى بعقلي السّاذج البسيط وابقيه على حاله وأحفظه محتفيا بجهله بعيدا عن خيال جامح يعمل بسرعة تفوق لمح البصر ويقول لي :
تصوّري بل تأكّدي أنّ الفطرة متى قمعت ، تصبح ثائرة أكثر .،.وكأنّه يقول : لم تنفين جانبا من ذاتك الانسانية؟!فيحمرّ وجهي وأصاب برعشة تزعجني،تربكني...وأحاول أن اجيبه ولكنّ السّؤال أرحم دائما لأنه يرمي بالكرة لمن أمامه ولم يكن أمامي سوى واقع مكلوم غارق في الزّيف وخيال مزهر يصدح بالحقيقة ....
ماذا أفعل إذن أمام اختيارين أحلاهما مرّ ؟!....
أيّ الخيارين اسلم لفتاة لم تناهز بعد الخامس عشرة من عمرها ؟ الواقع الحقيقة الكاذبة ام الوهم الّذي هو اصدق من الحقيقة ،نبقيه مغمورا كي لا يتنفّس ويحيا لأنّه مخيف ومرعب، فقد يغيّر في توازنات عشنا عليها قرونا حتّّى صارت جزء من كياننا...من فشلنا السّاحق وكم رضينا به وسعدناوكأنّنا نتوهّم النّجاح والسّعادة؟
لا الصّمت يرضيني لأنّه مناورة وانا أكره مناورات العرب و الكلام حتما سيبليني كيف لا ونحن على أراضينا نولّد القضايا بل نخصّبها ونلبسها لمن يخرج عن ملّتنا .فنحن غنم نساق من رعاة تجرّد وا حتّى من عصيّهم لأنّهم زرعوا فينا الطّاعة والولاء لأصحاب السّيادة ، فصرنا جميعا نلهث وراء تلك السيّادة المغتصبة وكم أحبس أنفاسي وانا اتذكر جمال عبد النّاصر وبو مدين وصدّام والقذّافي وفرحات حشّاد وهم يتغنّون بسيادة الأوطان والشّعوب وها أنا فاقدة للسّيادة حتى أنّى لا أضمن العيش الكريم لأفكاري ، فالسّيادة عندي لا تتحقّق إلّا متى توفّر مبدأ هو أصل المبادئ:الحرّيّة .. لذلك تأكّدت أمام غيابها أن لا داعي لكسر نفسي أكثر و لم اجد امامي ملاذا سوى دفتر وقلم يحفظان خيالي حتى تكبر صاحبته....أو تقبر . ويا ليت انتظاراتي تحقّقت بالسّنوات الّتي عشتها أذ مازلت ألازم مكاني ومازالت تسكنني تلكم الهواجس والمخاوف وهل حان الوقت لأعلّي صوتي وأقول جهرا ما تفكّر به الكثيرات سرّا؟؟؟!!!....
كيف لي أن أكتب ما اعتقده صوابا وأتحمّل ضحك أصحاب العقول الرّصينة منّي ؟؟!
محمولة بقمع خيالي طفلة وبقمع قلمي ونظرتي للاشياء وأنا كهلة.. الآن.
قد يتصوّر بعض التّفه أنّي أدافع عن التّعبيرات الحرّة واللّا مشروطة للجسد ،لا . ولكنّي مؤمنة أنّ مشاكلنا لن تعرف الحلّ يوما لأنّنا مغرمون بسياسة القمع في كلّ شيء يهمّ الحياة.....، وليعلم الجميع أنّ الجسد عند معظم العرب في حاجة ليقود ثورة على الموانع التي تكبّله وتفقده توازنه... المهمّ أنّي كنت يومها سعيدة جدا وانا اتوّهم كبح جماح خيالي وأضع له خطوطا حمراء كي لا تسفك دماء حبّ طاهر عبثا . وكم غريب هو ذاك الشّعور بقوّتي وانا اتوهّم تحريك خيالي كما أشتهي فأوقفه قسرا امتثالا لرغبتي والواقع أنّ خيالي كان لا يهوى الوصول بي إلى نقطة قد تفزع واقعي ، تبعثر نظامه فأكرهه وأتخلّى عنه بل قد أقتله لذلك كان حريصا على أن يتوغّل فيّ شيئا فشيئا .
أللخيال يا ترى عمر للحكمة والنضج ؟! ....
بقيت على هذا الحال ساعات أتقلّب على سريري ثمّ أمام مرآتي وحذو نافذتي و أقلّب خلالها صفحات لا تعرف النّهاية ،صفحات تتهيّأ لي انّي عشتها مع ذاك الشّاب ولكنّها ابدا لم تتجسّد ولو في أدنى تفاصيلها على أرض الواقع ...
وكم كنت اندهش من حالي وأنا أدقّق في وقفته فأراه يافعا ليفتنني وأكسوه لباسا على ذوقي حتّى يرضيني وأعطّره بعطر لست أفهم متى حفظت ماركته كي يغريني ،ثمّ أعبث بخصلات شعره يمنة ويسرة لأنّ تسريحته لا يجب أن تكون إلّا حسب ما أحدّده أنا أنيقا لأغرق في وهمي أكثر. وأنسج معه قصصا لو حصلت لحبسني ابي بغرفة مظلمة إلى أن يعلن موتي ،. أمّا ذاك المسكين ، فالمؤكد أنه لو تجرّأ على خطوة واحدة كأن يجهر بحبّه الوليد لأصدرت فيه بطاقة تفتيش ويقتل برصاصة طائشة ويسجّل موته جريمة ضد مجهول فهنا كلّ شيء جميل يجب أن يبقى في مأمن .
بسبب فضيحة كبرى اسمها الحب ، كانت ستجتمع العائلة باسرها من شيوخها إلى رضّعها وسيلبسوننا رداء الخطيئة الأولى ،تلك التي الت بأبينا ادم وأمّنا حوّاء إلى الطّرد من الجنّة . طبعا في خطيئة الحال ، ابن الجيران هو المذنب الأوّل ،تعدّى على حرمة الجيرة وما أقدسها عند العرب وعليه، وجب القصاص منه ، وليس أقلّ من الشنق في ساحة عامّة..... فنحن العرب يا سادتي مهوسون بقضايا الشّرف ، نخشى أن ينال أحد من شرف بناتنا لذلك متى حصل ، لا تستغربوا ابدا لو سال الدّم نجيعا . مسكين ذاك الشاب لو الصقت به شبهة من صنع خيالي، خيال أنثى قد يوصل الواقع بالوهم، كذبة بريئة تتضرّج بدماء عاشق كلّ ذنبه أنّه أحب؟...أيّ زمن هذا الذي تزهق فيه المشاعر وأيّ أرض هذه التي تسقى بدماء الأبرياء؟! .
نحن العرب نقرع طبول الحرب ونتكبّد المخاطر لأنّنا نتوهّم أنّنا جادّون جدّا متى يتعلّق الأمر بالتّطاول علينا فنتكتّل ونتوحّد لمرّة واحدة وننطق بكلمة سواء، كلمة معناها خواء ونصوّر بطولتنا العربيّة الكاذبة والمنافقة امام الغرب حتّى يخشوا غضبنا ، ويهابوا هبّتنا المزعومة لنري الجميع كيف ننكّل بالحبّ على أراضينا فيهدوننا حقدا وغلاّ أكبر ،يخاطبوننا بما نفهم .....أو بما اختاروه لنا لغة للتّواصل فيعلو منسوب الدّم المهدور والمأساة كلّ يوم أكثر فأكثر ...
اه وكم التاع وقد غادرني ابي ولم أتمكّن من ان أرى ردّة فعله وقد تعدّوا معنا حدود الواقع والخيال في النّيل من شرف امة باكملها .....أه لو اسمع من ابي ولو حرفا يشفي غليلي وهو يرانا شاخصين وقد استباحونا في عربدة همجيّة لكلّ ضوابط العقل والخيال على مراى ومسمع من كلّنا ومن العالم .
وللحظة تخيّلته حيّا بيننا ليغضب كما أنا غاضبة ويحنق مثلي وأكثر ويعاقب كما أتمنّى أن أفعل ولو بقلم حدّدته سلاحي ، بيد لا ترتعش كلّ هؤلاء المجرمين ... أكان ابي بطلا حقّا ام هو بطل توهّمته من مدى عشقي له ؟أكان يا ترى سيثأر لما رسّخه فيّ من مبادئ راقية أم سيصيبني هو أيضا بالخذلان ؟! لم أتحمّل يوما فراقه عنّي مذ كنت صغيرة ولكن؟ي في أعماقي ادعو له رحمة واسعة وربّما أجد في غيابه بعض سلوتي لأنّي لو رايته صامتا ، لتمنّيت أن أتخلّى عن انتمائي له . كيف لي بتحمّل ثورة بعثها في وانا مازلت في المهد و بقي يكبّرها الى ان صارت بركانا ثمّ يقرّر هكذا وبكلّ برودة أعصاب أن يصيّرها هشيما ....البرود لا يليق بأبي وصدقا لم أعتلّ ولم أنهك أكثر من يوم تأكّدت فيه من غياب النّخوة في ديارنا ، اذ على أراضينا تباع الكرامة والعز؟ة في سوق النّخاسة ...لو كان أبي حيّا ولم يعرٌ صدره للموت وصرت بعده الخنساء لشعرت بأنّه طعنني في عروبتي الّتي هو أصلها . ولكنّ خيالي الذي يعشّش فيه ابي مازال يراه واقعا رجلا عظيما ، لا يعرف نفاقا ولا يقبل انحناء هامة ولا تقبيل اياد ، تلك صورة لن يجرؤ عليها خيالي فهي قصّة عشق واقعيّة عشتها ولازلت فلا الحياة تطويها ولا الوهم يدنّسها ....لأنّها قصّة رائعة ولو توهّمت شيئا اجمل منها فأنا لا اليق بابوّة ذاك الش؟هم .،.. وكيف لي ان احيا زمنا مثل هذا وأتحمّل غبنه لولا بعض فصول عشتها ملاحم معه بقيت عالقة بذاكرتي تعزّيني وتعطّر يومي بل كلّ حياتي .....بكيت بحرقة شديدة وأنا أستدعي ابي لواقعي حتّى يخلّصني من هموم لست قادرة لوحدي على تخطّيها ، ولكنّ حضوره وهم أثقل كاهلي وارّقني ووجدت نفسي أتوسّد وجيعتي ،وجيعتنا وأحتضن آلامي ، ألامنا وأغمض جفوني علّني أهنأ بنهاية سعيدة لقصّتنا....قصّتي وكم كنت أكره من يقلّم أظافر أحلامي لأنّها أسعدتني وعل؟متني كم عالم الكبار مخجل ،زاخر بالجرائم ضدّالإنسانية ولا يحاكم فيه الّا خيال مسالم لطفلة مثلي توهّمت أنّ العشق عقيدة وإيمان.....
نجلاء عطية

تعليقات
إرسال تعليق