*** اللحظة الرهيبة ***




نجلاء عطية / تكتب
*****

اللّحظة الرّهيبة ...
كيف نستأصل منّا اللّحظة الموجعة ونتمكّن من تجاوزها بسلام؟
أو ربّما أيضا كيف علينا أن نتعامل مع تلك  الفرحة الصّغيرة  التي نعتبرها وليدة  لحظة استثنائية لنعيشها وكأنّها لا تنقضي  ؟...
أليس حريّا بنا أن نستوعب من  أنّ الحياة  هي مدّة زمنيّة نقطعها شئنا أو أبينا،  تترك فينا بصمات  لشيء ما ، وقع  أو نعيشه  أو  تهيّؤنا الظّروف لحدوثه وما علينا إلّا تقبّل كلّ ذلك  بلا إفراط أو تفريط من المشاعر ... ؟ هل من داع للجزع إذن ؟  أو هل هناك ما يبرّر لهفتنا الجامحة خاصّة إذا وعينا أنّ ما من شيء باق وما من أمر نتمكّن من إلغائه ؟ 
  فعلى قدر رغبة  القدر ستؤول حياتنا  إذ   قد تمثّل  اللّحظة الرّاهنة    بداية لحياة أخرى أو نهاية لما سبقتها ...أو ربّما انطلاقة  لخطوة ثابتة  أو أخرى  متعثّرة  أو قد تمثّل ارتدادا  إلى الوراء أو قفزة إلى الأمام ...قد تمثّل نفس اللّحظة بكلّ حيثيّاتها وآثارها،   لأحدنا تقهقرا موجعا لسعادة ظنّها أبديّة فترمي به في بؤرة الخنوع  والبؤس  وللآخر أملا  كبيرا  وموعدا جديدا مع فترة  مشرقة تنسيه ما عاشه من مصاعب مضنية  ..وقع اللّحظة تكون  بالنّسبة للأوّل  كوقع حفيرالدّوابّ ، أمّا بالنّسبة  للثّاني فهي كنسمة صيف تمرّ على روحه بردا وسلاما ....
أظنّ أنّ اللّحظة العسيرة  ضوضائيّة جدّا صاخبة رعناء ...من هولها تتسابق اللّغات على اختلافها  للتّعبير عنها  شهيقا، زفيرا، آهات، انّات، دموعا، كلمات حائرة، جملا ثائرة ، استفهامات تعجّ بالاستنكارات، ابتسامات باهتة  مترفّعة على الحيرة و الغضب...ثمّ نستسلم  لعبقريّة السّاعة الّتي تلفّ بنا حتّى نتخدّر، نفقد الوعي بالزّمان والمكان ، ....لحظة تغرس فينا عقاربها بتأنّ فلا شيء يستوجب العجلة ...ومن فرط إهمالها لأحاسيسنا ومشاعرنا تفرض علينا وعيا مختلفا بالأشياء كأن نعيش   الموت كما  الحياة  حدثين موجعين ، النّجاح و الفشل بلا جدوى   أثرهما على النفس   سيان ...نتيجتان متقابلتان لكن لهما نفس المصير  : انسداد الأفق ولا وجود لبرّ الأمان  ، لحظة من غرابتها  يتبلّد  الشّعور الإنساني  ، إلى حدود ينصهر  المعقول وللاّ معقول، وكأنّ الإنسان فقد قدرته على استيعابها  لدرجة  نسيانه  الفرق بين الأضداد ..كم نخشى تلك اللّحظة الّتي تنال من وعينا وادراكنا بقيمة ذواتنا والّتي تستبدّ بنا كمرض عضال ، كسيف قادر على بترنا بلا رحمة أو شفقة، تقتلع منّا كلّ ما حسبناه موضوعيّا، طبيعيّا جميلا، رائعا ..تبعثر مسلّماتنا وتنهكنا من كثرة التّأمّل في ما ستؤول إليه أمورنا...
فلحظة الإنتظار   تعلّمنا  في العمق  أنّ لا مسافة نقطعها من أجل الوصول لما بعدها، فقط هي  درس طويل  للصّبر ...الإنتظار يفرض علينا  التّعامل مع  البرود ، والتّجاهل ببرود أكبر وتجاهل أعظم  لأنّ   لحظاتها  من رتابتها  تفتك بأعصابنا من شدّة خوفنا من   النّهاية المفزعة  ،  تعيشنا    بكلّ ترف دون اكتراث لنفاذ صبرنا ...دهر مديد للحظة تطول ، تتمهّل وهي تعبرنا في  خيلاء بلا شفقة ولا نتمكّن من اختصارها مهما توسّلناها  وأبدا لا  تنقضي كأنّها تستهدف تضاهرنا بالصّمود  وتسخر منّا ونحن نعانق الصّمت الرّهيب   وكلّما نظرنا لعقارب السّاعة يدور حولنا  حبل الشّقاء المرير  ونشعر بالإرهاق ، بالقلب تعلو دقاتها كما الصّواعق ولا نتمكّن من كتمانها وعلى جدار العقل تغتصب فكرنا   ونحدّدها أولويّة الأولويّات  ...مقيتة جدّا تلك اللّحظات  التي  تقول لنا بكلّ عنجهية أنّ وجودها  رغم قسوتها هو الضّامن الوحيد لتجديد العهد مع الأمل ، تذكّرنا كم نحن مساكين ، تشرئبّ أعناقنا نحو غد  كرهناه لكثرة مماطلته لنا في القدوم  ...تلك اللّحظات تدرك تماما حاجتنا لنهايتها وتعلم  مدى تشظّينا من شدّة احتضار الحياة  فينا فنحن حقّا نشرف على الموت قهرا ... مثقلون بمواعيد تأبى أن  تجمعنا بالفرح الموعود وتستكثر علينا ومضة من البهجة  علّنا نهزم همومنا الكثيرة ونوقف نزيف الحزن ، الضّيف المدلل قسرا   ،....تلك لحظات،  جليّة وواضحة لكلّ من يعيشها أو يشهد عليها فقسماتها الحادّة تجعلها مرعبة ومخيفة مهما حاولنا طمسها ... يراها الجميع ويفهم أنّ حياتنا رهينة انقضائها وأظنّ أنّها لو تعاقبت لأغمي على السّعادة وفقدت وعيها مثلنا   ولاستقبلنا التي تليها على أحرّ من   اللّهفة الملتهبة   بدمعة ثائرة وابتسامة واهنة...لحظات لا تتجاوزنا إلا متى استبدّ بنا الألم  وأشرفنا على النّهاية المأساوية  ...وخوفا من اليأس ، نرفض لبس الاحباط ونكسر كأس  المرارة لأنّنا نؤثر مهما تعبنا البقاء  وتكثر قلوبنا المؤمنة من  الإستغفار  وننتظر بشوق بصيصا ينهي تلك اللحظة المظلمة وننطلق من جديد لأنّ اللّحظة السّعيدة  مازالت على قيد الحياة وعلينا أن ندرك من  أن السّعادة تحدّ وقرار
بقلمي: نجلاء

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

((((( غدر الاقارب. ))))

(((( أبت الحقارةُ أن تفارِقَ أهلها. ))))

يا من تراقبني بصمت