بَشْتِيــلِي يَــاا.. يـاا


محمد الشطوي/يكتب.......

بَشْتِيــلِي يَــاا.. يـاا 
قصة تاريخية
*
هاهي – بكل شموخ - وكالة الحاج مصطفى البشتيلي شيخ مشايخ تجار بولاق والمحروسة تعج بالمصريين من كل عمر ولون انتظارا لما سيحدث للشاهبندر بعد اعتقاله من قبل جند الحملة الفرنسية،وبعد أن اقتحم (كليبر) قائدهم وجنوده الأزهر الشريف، وتدنيسه بسنابك خيلهم وأحذيتهم.
انتشر جنود الحملة المدججون بالسلاح،والعنف في كل أنحاء الوكالة وحي بولاق ينثرون الخراب ،والدمار، ويزرعون في النفوس الرعب ، والخوف.
وقبيل شروق شمس هذا اليوم التاريخي كانت أعمدة الإضاءة تعانق أجساد بعض أبطال المقاومة معلقين من أرجلهم منكسين تنز دما وصديدا، وتبث الرعب في كل نفس مصرية تفكر في مقاومة " كليبر " وجنوده.
من بعيد حامت الجوارح،وفاحت الأفواه بعطر الدعاء بالرحمة؛ والفوز بالجنة والخلود لكل من قدم بدنه وروحه فداء لمصر وترابها الطاهر..
ساد الحزن، وخيم الصمت في كل ركن،وتصاعدت مكتومة زفرات الأمهات والثكالى واليتامى حارَّةً تلعن الفرنسيين ، وقسوتهم..
وبرغم هذا كله لم يتخل المصريون عن مقاومتهم البطولية؛ فلم تكد تمضي ساعة من زمن الغزاة إلا وأحد الفرنسيين ..جندي أوضابط مقتولا أومخطوفا أسيرا ..
الجنون يسيطر على كليبر ومن حوله لعجزهم عن كشف المقاومة واقتحام أسرارها؛ فنشر عيونه من الخونة، ومن ضعاف النفوس من المصريين، والمقيمين حتى عرف أن مصطفى البشتيلي هومن وراء السلاح والرجال القتلة لجنوده ، وهو أيضا من وراء الأموال المغدقة على شراء السلاح،وبراميل البارود لشباب المجاهدين المصريين والعرب ..
حوصرت الوكالة ؛ وامتلأت ساحتها بجنود الحملة وضباطها وتم القبض على الشيخ المجاهد في حضور كليبر نفسه الذي قرر تسليم الشيخ لأهالي بولاق، وحرضهم عليه ،وأقنعهم بأنه وراء خراب بيوتهم وقتل أولادهم، ونهب أموالهم، وترك لهم حرية الانتقام منه؛ فاعتقلوا الشيخ وحكموا عليه بالتجريس( ! )..
اعترض رافضا من اعترض؛ وصاح غاضبا من صاح دفاعا عن الشيخ وتاريخه النضالي،أو خوفا من ازدياد الغضب، والمقاومة إلا أن كليبر سد أذنيه،وألغى تفكيره ورؤيته لمستقبله المظلم هو وحملته ..
قُيِّد الشيخُ المُسِـنُّ من يديه خلف ظهره، وعُـرِّيَ نصفه الأعلى تماما ثم جِـيء بالقار والجير الأبيض، والأحمر، والأزرق وصُبِـغَ وجـهُ الرجــل وصدره، وعلقت الأجراس، والشخاليل في رقبته ومن تحت جلده، ثم رفع على حمار بالمقلوب، وقرعت الطبول إيذانا بتجريس البطل الكريم..لم يتقدم من المصرين الشرفاء أحد.. فمن ينسى للشيخ وقفات نضاله وجوده ؟؛ من ينكر جهاده، وتضحياته بكل مايملك؟.
الأجواء تكفهر، والسواد أوشك أن يعم النهار، ويملأ كل حارة ودار، وقبل أن يصيب اليأس كليبر وجنوده برز كارهو الشيخ من الرعاع والسفلة والمأجورين يحيطون بالموكب شاهدين على أنفسهم بالكفر والجحود؛ فما كان الشيخ الورع التقي إلا عونًا لهم عند حاجتهم ، وماكان إلا مفرجا لِكُرُبَـاتَهِم ،مجاملًا لهم في أفراحهم وأحزانهم..لكن هكذا الدنيا ، وهكذا هؤلاء من أهل الدُّونِيِّــةِ والانحطاط.
مضى موكب التجريس في الشوارع والحارات من الصباح حتى المساء؛ ولم تغب شمس المحروسة إلا كسيرة غضبى ممن يزفون البشتيلي زفة.." أم جلاجل" ويوسعونه ضربًا، وشتمًا، وبصقا حتى قضى.
لم تنم عيون أحرار بولاق، ولم تنم القاهرة..وكانت هذه الليلة بداية زوال الحملة الفرنسية، وتدبير قتل قائدها على يد "سليمان الحلبي.
ولتعودَ لمصرَ شمسُها الذهبُ.
*
------------------- بقلم / محمد الشــطوي(نوفمبر2017)

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

((((( غدر الاقارب. ))))

(((( أبت الحقارةُ أن تفارِقَ أهلها. ))))

يا من تراقبني بصمت